محمد بن جرير الطبري

75

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

فليتوضأ نجاسة المشركين . وأما قوله : بَعْدَ عامِهِمْ هذا فإنه يعني : بعد العام الذي نادى فيه علي رحمة الله عليه ببراءة ، وذلك عام حج بالناس أبو بكر ، وهي سنة تسع من الهجرة . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا وهو العام الذي حج فيه أبو بكر ، ونادى علي رحمة الله عليهما بالأذان ؛ وذلك لتسع سنين مضين من هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم . وحج نبي الله صلى الله عليه وسلم من العام المقبل حجة الوداع لم يحج قبلها ولا بعدها . وقوله : وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً يقول للمؤمنين : وإن خفتم فاقة وفقرا ، بمنع المشركين من أن يقربوا المسجد الحرام . فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ يقال منه : عال يعيل عيلة وعيولا ، ومنه قول الشاعر : وما يدري الفقير متى غناه * وما يدري الغني متى يعيل وقد حكي عن بعضهم أن من العرب من يقول في الفاقة : عال يعول بالواو . وذكر عن عمر بن فائد أنه كان تأول قوله : وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً بمعنى : وإذ خفتم ، ويقول : كان القوم قد خافوا ، وذلك نحو قول القائل لأبيه : إن كنت أبي فأكرمني ، بمعنى : إذ كنت أبي . وإنما قيل ذلك لهم ، لأن المؤمنين خافوا بانقطاع المشركين عن دخول الحرم انقطاع تجاراتهم ودخول ضرر عليهم بانقطاع ذلك ، وأمنهم الله من العيلة وعوضهم مما كانوا يكرهون انقطاعه عنهم ما هو خير لهم منه ، وهو الجزية ، فقال لهم : قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ إلى : صاغِرُونَ وقال قوم بإدرار المطر عليهم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكرمن قال ذلك : حدثني المثني ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثنى معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا قال : لما نفى الله المشركين عن المسجد الحرام ألقى الشيطان في قلوب المؤمنين الحزن ، قال : من أين تأكلون وقد نفي المشركون وانقطعت عنكم العير ؟ فقال الله : وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ فأمرهم بقتال أهل الكتاب ، وأغناهم من فضله . حدثنا هناد بن السري . قال : ثنا أبو الأحوص ، عن سماك ، عن عكرمة ، في قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا قال : كان المشركون يجيئون إلى البيت ، ويجيئون معهم بالطعام ويتجرون فيه ؛ فلما نهوا أن يأتوا البيت قال المسلمون : من أين لنا طعام ؟ فأنزل الله : وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ فأنزل عليهم المطر ، وكثر خيرهم حين ذهب عنهم المشركون . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا حميد بن عبد الرحمن ، عن علي بن صالح ، عن سماك ، عن عكرمة : إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ الآية ، ثم ذكر نحو حديث هناد ، عن أبي الأحوص . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا مؤمل ، قال : ثنا سفيان ، عن واقد ، عن سعيد بن جبير ، قال : لما نزلت : إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقالوا : من يأتينا بطعامنا ، ومن يأتينا بالمتاع ؟ فنزلت : وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن سفيان ، عن واقد مولى زيد بن خلدة ، عن سعيد بن جبير ، قال : كان المشركون يقدمون عليهم بالتجارة ، فنزلت هذه الآية : إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ إلى قوله : عَيْلَةً قال : الفقر . فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ